عبد الله بن أحمد النسفي
19
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 43 إلى 46 ] فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) ذنوبهم ، فالنفوس تتخشّع عند نزول الشدائد . 43 - فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا أي هلّا تضرعوا بالتوبة ، ومعناه نفي التضرّع ، كأنه قيل فلم يتضرّعوا إذ جاءهم بأسنا ، ولكنه جاء بلو لا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرّع « 1 » وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم ينزجروا بما ابتلوا به وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وصاروا معجبين بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم . 44 - فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من البأساء والضراء ، أي تركوا الاتعاظ به ولم يزجرهم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من الصحة والسعة وصنوف النعمة ، فتّحنا شامي حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الخير والنّعم « 2 » أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ آيسون متحسرون وأصله الإطراق حزنا لما أصابه ، أو ندما على ما فاته ، وإذا للمفاجأة . 45 - فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي أهلكوا عن آخرهم ولم يترك منهم أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إيذان بوجوب الحمد للّه عند هلاك الظلمة ، وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم ، أو احمدوا اللّه على إهلاك من لم يحمد اللّه . ثم دل على قدرته وتوحيده بقوله : 46 - قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ بأن أصمّكم وأعماكم وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ فسلب العقول « 3 » والتمييز مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ بما أخذ وختم عليه . من رفع بالابتداء ، وإله خبره ، وغير صفة لإله ، وكذا يأتيكم ، والجملة في موضع مفعولي أرأيتم ، وجواب الشرط محذوف انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ لهم الْآياتِ نكرّرها ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها ، والصّدوف الإعراض عن الشيء .
--> ( 1 ) زاد في ( ز ) إلا عنادهم . ( 2 ) في ( ز ) والنعمة . ( 3 ) في ( ظ ) القلوب .